محمود المظفر

43

إحياء الأراضي الموات

وبالإقرار بالواقع السائد : قالوا : « إن مسألة ملكية الأرض كانت جارية في الدنيا منذ أزمنة سحيقة ، ولكن الإسلام بعد مجيئه لم يمنعها ، كما لم يأمر الناس أمرا صريحا بإلغائها ، ولم يشرع قاعدة أخرى مكانها فكان معنى ذلك أن اللّه تعالى أقر هذه القاعدة الجارية » « 1 » . ويكاد هذا الاتجاه القائل بملكية الأرض ملكية خاصة والذي استدل له بالأدلة المذكورة : يطغى على ما سواه من الاتجاهات الأخرى بل إنه يكاد يبلغ في شهرته « 2 » بين الفقهاء وغيرهم من الباحثين حد الإجماع « 3 » ، ولكنهم في نفس الوقت وقفوا من صفة هذه الملكية الخاصة - عموما في الأرض وغيرها - موقفين مختلفين حيث وصفها بعضهم بالإطلاق « 4 » ، بينما جعلها آخرون مقيدة بإطار المصلحة العامة وفي إطار وظيفتها الاجتماعية كما سنرى :

--> ( 1 ) . المودودي في مسألة ملكية الأرض - 20 . ( 2 ) . ولشهرة هذا الاتجاه أو هذه الفكرة بين الفقهاء لم يستطع بعض الكتاب المحدثين أن يقف على غيرها من الاتجاهات التي تعوزها الشهرة ويعوز قائليها الجرأة . حيث نسب ذلك إلى الإسلام كأنه شيء مفروع منه ، بل إنه لم يكتف بذلك وإنما عالج الموضوع بصورة غير مهذبة فقال : « أما ما يرتئيه البعض من أن النبي كان ينوي إلغاء ملكية الأراضي وجعلها مشاعة أي ملكا للجماعة أو الأمة فهذا سوء فهم لا يؤبه به لأن هذه الأفكار المتطرفة لم تكن تخطر على بال النبي حتى في الدور الأول من حياته الاجتماعية لا سيما وأن مشكلة الأراضي لم تكن في ذلك الوقت وفي ذلك الوسط من المشاكل المهمة » ( بندلى جوزي ، من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام - 46 ) . ويبدو أن هذا الباحث المحترم تصور أن التشريعات الإسلامية هي من باب الخطور على الذهن - ذهن الرسول - وليس من باب الوحي أو التنزيل ، وأن ما جاء به النبي من تعليمات وأحكام كان من وحي المشاكل والشؤون التي تهم مجتمعة وإقليمه وزمانه ليس إلا . ( 3 ) . راجع النصوص التي نقلها ( السائس في مجموعة المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية 216 - 225 ) والتي تمثل في نظره آراء فقهاء المذاهب الأربعة بشأن ثبوت ملكية الأرض ومنافعها للأفراد . ( 4 ) . إن وصف الملكية بالإطلاق تارة وبالتقييد أخرى هو في الحقيقة أمر نسبي ، لأنه ليس هناك واحد من الفقهاء بما فيهم القائلون بالإطلاق من ينكر وجود بعض القيود على تصرفات المالك كما في الشفعة ونحوها ، ولكن فيهم المقتصد وفيهم المسرف ، وعليه فالإطلاق والتقييد هما أمران نسبيان في هذا المجال .